الثلاثاء، 13 سبتمبر 2022

وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ،.

 وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ،.

قالَ اْللّٰه،. ﴿إِنَّ ٱلَّذِینَ یُجَادِلُونَ فِي ءَایَاتِ ٱللَّهِ بِغَیۡرِ سُلۡطَانٍ أَتَاهُمۡ إِن فِي صُدُورِهِمۡ إِلَّا كِبۡرࣱ مَّا هُم بِبَـالغِیهِ فَٱسۡتَعِذ بِٱللَّهِ إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِیعُ ٱلۡبَصِیرُ ۝ ((لَخَلۡقُ ٱلسَّمَاوا تِ وَٱلۡأَرۡضِ أَكۡبَرُ مِنۡ خَلۡقِ ٱلنَّاسِ)) وَلَكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا یَعۡلَمُونَ ۝ وَمَا یَسۡتَوِي ٱلۡأَعۡمَىٰ وَٱلۡبَصِیرُ وَٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـالِحَاتِ وَلَا ٱلۡمُسِيءُ قَلِیلࣰا مَّا تَتَذَكَّرُونَ﴾ [غافر 56 – 58]،.

من هذه الآية، علمنا أن السماوات والأرض خلق عظيم،. يكاد لا يظاهيه خلق آخر من حيث الكبر والعظمة،. ولكن،… لماذا يذكر الله الجبال كذلك مع هذه المخلوقات العظيمة الكبيرة في مواضع كثيرة؟!

تجد في القُــرآن غالباً،. أن الله يذكر الجبال بشكل منفصل وخاص،. وكأن لها هيئة خاصة بها، وكأنها خلق منفصل وعظيم وله مكانته،. لا تقل عن مكانة السماوات والأرض،.

قال الله،. ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى ((السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ)) فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [اﻷحزاب 72]،.

وقال،. ﴿ءَأَنتُمۡ أَشَدُّ خَلۡقًا أَمِ ((ٱلسَّمَاۤءُ)) بَنَاهَا ۝ رَفَعَ سَمۡكَهَا فَسَوَّاهَا ۝ وَأَغۡطَشَ لَیۡلَهَا وَأَخۡرَجَ ضُحَاهَا ۝ ((وَٱلۡأَرۡضَ)) بَعۡدَ ذَلِكَ دَحَاهَاۤ ۝ أَخۡرَجَ مِنۡهَا مَاۤءَهَا وَمَرۡعَاهَا ۝ ((وَٱلۡجِبَالَ)) أَرۡسَاهَا﴾ [النازعات 27 – 32]،.

وقالَ،. ﴿وَقَالُوا۟ ٱتَّخَذَ الرَّحۡمَـٰنُ وَلَدࣰا ۝ لَّقَدۡ جِئۡتُمۡ شَیۡئا إِدࣰّا ۝ تَكَادُ ((ٱلسَّمَاوَ اتُ)) یَتَفَطَّرۡنَ مِنۡهُ وَتَنشَقُّ ((ٱلۡأَرۡضُ)) وَتَخِرُّ ((ٱلۡجِبَالُ)) هَدًّا ۝ أَن دَعَوۡا۟ لِلرَّحۡمَـٰنِ وَلَدࣰا ۝ وَمَا یَنۢبَغِي لِلرَّحۡمَـٰنِ أَن یَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [مريم 88 – 92]،.

وهذه الآية،. ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ¹ كَيْفَ خُلِقَتْ ۝ وَإِلَى ((السَّمَاءِ)) كَيْفَ رُفِعَتْ ۝ وَإِلَى ((الْجِبَالِ)) كَيْفَ نُصِبَتْ ۝ وَإِلَى ((الْأَرْضِ)) كَيْفَ سُطِحَتْ ۝ فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ ۝ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية 17 ــ 22]،.

،.¹ ذكر الإبل معهن لعظم مكانتها ومكانة الأنعام كما بيننا في منشور سابق،.

ــ أحيانا يذكر الله الجبال مع الأرض في سمات مشتركة بينهما،. ويفصل السماء عنهما بآية أخرى،.

قالَ اْللّٰه،. ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ نَفۡخَةࣱ وَاحِدَةࣱ ۝ وَحُمِلَتِ ((ٱلۡأَرۡضُ وَٱلۡجِبَالُ)) فَدُكَّتَا دَكَّةࣰ وَ احِدَةࣰ ۝ فَیَوۡمَئذࣲ وَقَعَتِ ٱلۡوَاقِعَةُ ۝ وَٱنشَقَّتِ ((ٱلسَّمَاۤءُ)) فَهِي یَوۡمَئذࣲ وَاهِیَةࣱ﴾ [الحاقة 13 – 16]،.

وقال،. ﴿یَوۡمَ تَرۡجُفُ ((ٱلۡأَرۡضُ وَٱلۡجِبَالُ)) وَكَانَتِ ٱلۡجِبَالُ كَثِیبࣰا مَّهِیلًا﴾،.. قال بعدها بآيات،. ﴿((ٱلسَّمَاۤءُ)) مُنفَطِرُ بِهِ كَانَ وَعۡدُهُ مَفۡعُولًا﴾ [المزمل 14 و 18]،.

ــــــ الجبال الرواسي،.

قال الله،. ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي رَفَعَ ((ٱلسَّمَاوَ اتِ)) بِغَیۡرِ عَمَدࣲ تَرَوۡنَهَا ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِ وَسَخَّرَ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ كُلࣱّ یَجۡرِی لِأَجَلࣲ مُّسَمࣰّى یُدَبِّرُ ٱلۡأَمۡرَ یُفَصِّلُ ٱلۡآیَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاۤءِ رَبِّكُمۡ تُوقِنُونَ ۝ وَهُوَ ٱلَّذِي مَدَّ ((ٱلۡأَرۡضَ)) وَجَعَلَ فِیهَا ((رَوَاسِيَ)) وَأَنۡهَارࣰا وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِیهَا زَوۡجَیۡنِ ٱثۡنَیۡنِ یُغۡشِي ٱلَّیۡلَ ٱلنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآیَاتࣲ لِّقَوۡمࣲ یَتَفَكَّرُونَ﴾ [الرعد 2 – 3]،.

من هذه الآيات، تعرف أن الرواسي،. التي هي الجبال² كذلك ألقاها الله في الأرض،.

قالَ اْللّٰه،. ﴿وَلَقَدۡ جَعَلۡنَا فِي ((ٱلسَّمَاۤءِ)) بُرُوجࣰا وَزَیَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِینَ ۝ وَحَفِظۡنَاهَا مِن كُلِّ شَیۡطَانࣲ رَّجِیمٍ ۝ إِلَّا مَنِ ٱسۡتَرَقَ ٱلسَّمۡعَ فَأَتۡبَعَهُ شِهَابࣱ مُّبِینࣱ ۝ ((وَٱلۡأَرۡضَ)) مَدَدۡنَاهَا ((وَأَلۡقَیۡنَا فِیهَا رواسِيَ)) وَأَنۢبَتۡنَا فِیهَا مِن كُلِّ شَيءࣲ مَّوۡزُونࣲ﴾ [الحجر 16 – 19]،.

قالَ اْللّٰه،. ﴿أَوَلَمۡ یَرَ ٱلَّذِینَ كَفَرُوۤا۟ أَنَّ ((ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلۡأَرۡضَ)) كَانَتَا رَتۡقࣰا فَفَتَقۡنَاهُمَا وَجَعَلۡنَا مِنَ ٱلۡمَاۤءِ كُلَّ شَيءٍ حَيٍ أَفَلَا یُؤۡمِنُونَ ۝ وَجَعَلۡنَا فِي ٱلۡأَرۡضِ ((رَوَاسِيَ)) أَن تَمِیدَ بِهِمۡ وَجَعَلۡنَا فِیهَا فِجَاجࣰا سُبُلࣰا لَّعَلَّهُمۡ یَهۡتَدُونَ ۝  وَجَعَلۡنَا ((ٱلسَّمَاۤءَ)) سَقۡفࣰا مَّحۡفُوظࣰا وَهُمۡ عَنۡ ءَایَـٰتِهَا مُعۡرِضُونَ﴾ [الأنبياء 30 – 32]،.

وقال،. ﴿أَفَلَمۡ یَنظُرُوۤا۟ إِلَى ((ٱلسَّمَاۤءِ)) فَوۡقَهُمۡ كَیۡفَ بَنَیۡنَاهَا وَزَیَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجࣲ ۝ ((وَٱلۡأَرۡضَ)) مَدَدۡنَاهَا وَأَلۡقَیۡنَا فِیهَا ((رَوَاسِيَ)) وَأَنۢبَتۡنَا فِیهَا مِن كُلِّ زَوۡجِۭ بَهِیجࣲ﴾ [ق 6 – 7]،.

² الدليل أن الرواسي هي الجبال أو نوع من أنواع الجبال،. هو قول الله،. ﴿وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا﴾ [النازعات 32]،. وقوله،. ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ((الْأَرْضَ كِفَاتًا)) ۝ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا ۝ وَجَعَلْنَا فِيهَا ((رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ)) وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا﴾ [المرسلات 25 ــ 27]،.

ــــــ هذه الآيات من سورة فصلت، فصلت المسألة وبينت أن الجبال خلق آخر غير الأرض،. خلقٌ جاء من فوق،. ألقاه الله على الأرض،. خلقها في عدد من الأيام، كما فعل مع الأرض والسماوات بالتمام،.

قالَ اْللّٰه،. ﴿قُلۡ أَئنَّكُمۡ لَتَكۡفُرُونَ بِٱلَّذِي ((خَلَقَ ٱلۡأَرۡضَ فِي یَوۡمَیۡنِ)) وَتَجۡعَلُونَ لَهُ أَندَادࣰا ذَلِكَ رَبُّ ٱلۡعَالَمِینَ ۝ وَجَعَلَ فِیهَا ((رَوَاسِيَ)) مِن فَوۡقِهَا وَبَارَكَ فِیهَا وَقَدَّرَ فِیهَاۤ أَقۡوَاتَهَا فِي أَرۡبَعَةِ أَیَّامࣲ سَوَاۤءࣰ لِّلسَّاۤئلِینَ ۝ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰۤ إِلَى ((ٱلسَّمَاۤءِ)) وَهِي دُخَانࣱ فَقَالَ لَهَا وَلِلۡأَرۡضِ ٱئۡتِیَا طَوۡعًا أَوۡ كَرۡهࣰا قَالَتَاۤ أَتَیۡنَا طَاۤئعِینَ ۝ فَقَضَاهُنَّ ((سَبۡعَ سَمَاوَاتࣲ فِي یَوۡمَیۡنِ)) وَأَوۡحَىٰ فِي كُلِّ سَمَاۤءٍ أَمۡرَهَا وَزَیَّنَّا ٱلسَّمَاۤءَ ٱلدُّنۡیَا بِمَصَابِیحَ وَحِفۡظࣰا ذَلِكَ تَقۡدِیرُ ٱلۡعَزِیزِ ٱلۡعَلِیمِ﴾ [فصلت 9 – 12]،.

العجيب في هذه الآيات،. أن الله بين فيها أن خلق الأرض كان في يومين،. وخلق السماء كان في يومين كذلك،. ولكن الله خلق السماوات والأرض في ستة أيام، وليست أربعة أيام،. كما قال،. ﴿ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلۡأَرۡضَ ((وَمَا بَیۡنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَیَّامࣲ)) ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِ ٱلرَّحۡمَنُ فَسۡـَٔلۡ بِهِ خَبِیرࣰا﴾ [الفرقان 59]،.

فبقي يومان آخران،. هذين اليومين كانا للرواسي [الجبال]،. التي ذكرها الله بعد خلق الأرض،. فبعد أن ذكر خلق الأرض في يومين،. ﴿قُلۡ أَئنَّكُمۡ لَتَكۡفُرُونَ بِٱلَّذِي ((خَلَقَ ٱلۡأَرۡضَ فِي یَوۡمَیۡنِ))..﴾،. قال بعدها،. ﴿وَجَعَلَ فِیهَا رَوَاسِيَ مِن فَوۡقِهَا وَبَارَكَ فِیهَا وَقَدَّرَ فِیهَاۤ أَقۡوَاتَهَا ((فِي أَرۡبَعَةِ أَیَّامࣲ))..﴾،. فاليومان الزائدان عن يومي الأرض، كانا لجعل الرواسي وتقدير الأقوات،. فصارت بهذه أربعة أيام،. لكل منهم يومان بالتساوي،. فكما أن الأرض يومين، وللسماوات يومين، فللجبال يومين كذلك،.

كل ذلك، إن دل علي شيء،. فإنما يدل أن للجبال عظمة لا تختلف عن عظمة السماوات والأرض،. في الخلق والمكانة،. وعلاوة على ذلك،. أن هذه الجبال خلق منفصل عن الأرض،.

فمن الخطأ القول بأن الأرض فيها تعرجات وميلان، أو أنها ليست مستوية ولا مسطحة تماماً بسبب السهول والوديان والهضاب والشعاب والكهوف والفجاج التي أحدثتها الجبال،. لأن كل تلك الأشياء ليست من أصل الأرض، أنما هي من الجبال،. والله حين قال سطحت، قالها عن الأرض، ولم يقلها عن الجبال،.

ــ فلو قدَّر الله أن يزيل كل تلك الجبال التي وضعها على هذه الأرض، ويزيحها من أماكنها ويسيّرها، وينسفها نسفاً، ويجعلها هباءً منبثاً تطير كالعهن المنفوش، كما سيحصل لها عند قيام الساعة،. لرجعت الأرض بيضاء عفراء، كأنها قرص خبز نقي،. كما نعتها النّبي ﷺ تماماً،.

ﻋﻦ ﺃﺑﻲ ﺣﺎﺯﻡ، ﻗﺎﻝ: ﺳﻤﻌﺖ ﺳﻬﻞ ﺑﻦ ﺳﻌﺪ، ﻗﺎﻝ: ﺳﻤﻌﺖ اﻟﻨﺒﻲ ﷺ ﻳﻘﻮﻝ ﴿ﻳﺤﺸﺮ اﻟﻨﺎﺱ ﻳﻮﻡ اﻟﻘﻴﺎﻣﺔ ﻋﻠﻰ ﺃﺭﺽ ﺑﻴﻀﺎء ﻋﻔﺮاء، ﻛـ((ـﻘﺮﺻﺔ ﻧﻘﻲ))﴾ ﻗﺎﻝ ﺳﻬﻞ، ﺃﻭ ﻏﻴﺮﻩ: ﻟﻴﺲ ﻓﻴﻬﺎ ﻣَﻌﻠَﻢٌ ﻷﺣﺪ﴾ ﺃﺧﺮﺟﻪ اﻟﺒﺨﺎﺭﻱ، ﻭﻣﺴﻠﻢ، ﻭﺃﺑﻮ ﻳﻌﻠﻰ، ﻭاﺑﻦ ﺣﺒﺎﻥ، ﻭاﻟﻄﺒﺮاﻧﻲ،.

وفي لفظ آخر،. ﴿تكونُ الأرضُ يومَ القيامةِ ((خُبزةً واحدةً)) يكفَؤُها الجبَّارُ بيدِه…﴾ البخاري – 6520 / مسلم – 2792.

المَعلَم: العلامات،. أي أن ما نراه على الأرض من معالم كالجبال والسهول والهضاب والوديان والمرتفعات وغيرها،. كلها ستذهب وستستوي بالأرض،. وحينها سترى الأرض،. ﴿..قَاعًا صَفْصَفًا ۝ لَا تَرَىٰ فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾ [طه 105 ـ 107]،.

ــــــــــــــ الجبال والأمان،.

ارتبط الجبل بالأمان في القُــرآن في عدة آيات، منها الصريحة البينة، ومنها بالكلمات التي تدل على الأمان،. نشير لبعضها،.

1 ــ الجبال أكنان،.

قال الله في مَعرض كلامه عن نعمه على الناس لحفظهم وتأمين حياتهم،. ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا ((وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا)) وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَٰلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ [النحل 81]،.

ما معنى الأكنان؟،. الأكنان جمع الكَنة، وهي للحفظ والإحاطة،. ومنها مكنون،. أي محفوظ،.

قالَ اْللّٰه،. ﴿فَلَاۤ أُقۡسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ ۝ وَإِنَّهُ لَقَسَمࣱ لَّوۡ تَعۡلَمُونَ عَظِیمٌ ۝ إِنَّهُ ((لَقُرۡءَانࣱ كَرِیمࣱ ۝ فِي كِتَابࣲ مَّكۡنُونࣲ)) ۝ لَّا یَمَسُّهُ إِلَّا ٱلۡمُطَهَّرُونَ ۝ تَنزِیلࣱ مِّن رَّبِّ ٱلۡعَالَمِینَ﴾ [الواقعة 75 – 80]،. ومن متشابهاتها في القرآن،. ﴿بَلۡ هُوَ قُرۡءَانࣱ مَّجِیدࣱ ۝ فِي ((لَوۡحࣲ مَّحۡفُوظِۭ))﴾ [البروج 21]،. والسورة التالية تكلمت عن النجوم،. ﴿وَٱلسَّمَاۤءِ وَٱلطَّارِقِ ۝ وَمَاۤ أَدۡرَاكَ مَا ٱلطَّارِقُ ۝ ٱلنَّجۡمُ ٱلثَّاقِبُ﴾ [الطارق 1 ــ 3]،.

قالَ اْللّٰه،. ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَىٰ ((قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً)) أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَىٰ فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا﴾ [الكهف 57]،. وكأن على قلوبهم ستر وغطاء يمنعها من التفقه،. عليها أكنة،.

نقول لزوجة الولد كنة، لأنها انتقلت إليهم، فعليهم حفظها بعد أهلها،. ﻋﻦ ﻣﺠﺎﻫﺪ، ﻋﻦ ﻋﺒﺪ اﻟﻠﻪ ﺑﻦ ﻋﻤﺮﻭ؛ ﴿ﺃﻧﻜﺤﻨﻲ ﺃﺑﻲ اﻣﺮﺃﺓ ﺫاﺕ ﺣﺴﺐ، ((ﻓﻜﺎﻥ ﻳﺘﻌﺎﻫﺪ ﻛﻨﺘﻪ))، ﻓﻴﺴﺄﻟﻬﺎ ﻋﻦ ﺑﻌﻠﻬﺎ، ﻓﺘﻘﻮﻝ: ﻧﻌﻢ اﻟﺮﺟﻞ ﻣﻦ ﺭﺟﻞ، ﻟﻢ ﻳﻄﺄ ﻟﻨﺎ ﻓﺮاﺷﺎ، ﻭﻟﻢ ﻳﻔﺘﺶ ﻟﻨﺎ ﻛﻨﻔﺎ ﻣﺬ ﺃﺗﻴﻨﺎﻩ….﴾ ﺃﺧﺮﺟﻪ ﺃﺣﻤﺪ، ﻭاﻟﺒﺨﺎﺭﻱ، ﻭاﺑﻦ ﺃﺑﻲ ﻋﺎﺻﻢ، ﻓﻲ “اﻟﺴﻨﺔ”، ﻭاﻟﺒﺰاﺭ، ﻭاﻟﻨﺴﺎﺋﻲ، ﻭاﺑﻦ ﺧﺰﻳﻤﺔ، ﻭاﺑﻦ ﺣﺒﺎﻥ.

والكنانة هي المحفظة، التي توضع فيها الأسهم والنبال،. ﻋﻦ ﺳﻌﻴﺪ ﺑﻦ اﻟﻤﺴﻴﺐ، ﻗﺎﻝ: ﺳﻤﻌﺖ ﺳﻌﺪ ﺑﻦ ﺃﺑﻲ ﻭﻗﺎﺹ ﻳﻘﻮﻝ ﴿ﻧﺜﻞ ﻟﻲ اﻟﻨﺒﻲ ﷺ كنانته ﻳﻮﻡ ﺃﺣﺪ، ﻓﻘﺎﻝ: اﺭﻡ ﻓﺪاﻙ ﺃﺑﻲ ﻭﺃﻣﻲ﴾ ﺃﺧﺮﺟﻪ اﻟﺒﺨﺎﺭﻱ، ﻭاﻟﺒﺰاﺭ، ﻭاﻟﻨﺴﺎﺋﻲ، ﻭاﻵﺟﺮﻱ، ﻓﻲ “اﻟﺸﺮﻳﻌﺔ”، ﻭاﻟﺒﻴﻬﻘﻲ، ﻓﻲ “ﺩﻻﺋﻞ اﻟﻨﺒﻮﺓ”.

ومنها،…… ﴿وَعِندَهُمۡ قَاصِرَاتُ ٱلطَّرۡفِ عِینࣱ ۝ كَأَنَّهُنَّ بَیۡضࣱ مَّكۡنُونࣱ﴾ [الصافات 48 – 49]،. ﴿وَیَطُوفُ عَلَیۡهِمۡ غِلۡمَانࣱ لَّهُمۡ كَأَنَّهُمۡ لُؤۡلُؤࣱ مَّكۡنُونࣱ﴾ [الطور 24]،. ﴿كَأَمۡثَالِ ٱللُّؤۡلُوِٕ ٱلۡمَكۡنُونِ﴾ [الواقعة 23]،. ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَیۡكُمۡ فِیمَا عَرَّضۡتُم بِهِ مِنۡ خِطۡبَةِ ٱلنِّسَاۤءِ أَوۡ ((أَكۡنَنتُمۡ فِي أَنفُسِكُمۡ)) عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمۡ سَتَذۡكُرُونَهُنَّ…﴾،. [البقرة 235]،.

وبالضد تعرف الأشياء،. قالَ اْللّٰه،. ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَیَعۡلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمۡ وَمَا یُعۡلِنُونَ﴾ [النمل 74]،. ﴿وَرَبُّكَ یَعۡلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمۡ وَمَا یُعۡلِنُونَ﴾ [القصص 69]،.

فما تكنه في نفسك عكس ما تعلنه، هو الذي تحتفظ به في نفسك ولا تبديه،. فالكنانة الحافظة،. والجبال أكنانا، أي حوافظ تحفظكم وتؤمنكم،.

2 ــ نحت الجبال، من آلاء الله،.

قالَ اْللّٰه على لسان صالح وهو يذكر قومه بآلاء الله عليهم،. ﴿وَٱذۡكُرُوۤا۟ إِذۡ جَعَلَكُمۡ خُلَفَاۤءَ مِنۢ بَعۡدِ عَادࣲ وَبَوَّأَكُمۡ فِی ٱلۡأَرۡضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورࣰا ((وَتَنۡحِتُونَ ٱلۡجِبَالَ بُیُوتࣰا فَٱذۡكُرُوۤا۟ ءَالَاۤءَ ٱللَّهِ)) وَلَا تَعۡثَوۡا۟ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُفۡسِدِینَ﴾ [الأعراف 74]،. فما معنى آلاء؟! هل هي النِّعَمْ كما قال بعض الناس؟،. لا،.

الــ ﴿آلاء﴾ هي آيات القوة والعزة والمنعة،. ذكرها اللّٰه في مواضع أخرى في القُــرآن تشرح معناها،. ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَىٰ ۝ وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَىٰ ۝ وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَىٰ ۝ وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَىٰ ۝ فَغَشَّاهَا مَا غَشَّىٰ ۝ فَبِأَيِّ ((آلَاءِ)) رَبِّكَ تَتَمَارَىٰ ۝ هَٰذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَىٰ ۝ أَزِفَتِ الْآزِفَةُ ۝ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ ۝ أَفَمِنْ هَٰذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ ۝ وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ ۝ وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ ۝ فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ [النجم 62]،.

قالها هودٌ ﷺ لعاد الذين عرفوا بالقوة :
﴿..قَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا ((قُوَّةً))…﴾ [فصلت 15]،.
﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ ((جَبَّارِينَ))﴾ [الشعراء 130]،.
﴿..وَيَزِدْكُمْ ((قُوَّةً)) إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ…﴾ [هود 52]،.

هؤلاء الأقوياء، قال لهم نبيهم،. ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا ((آلَاءَ)) اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [اﻷعراف 69]،.

فــ ((آلَاءَ)) تعني آيات القوة والقدرة والحفظ والشدة،. وأكثَر ما ذُكرت في القُــرآن في سورةٍ الرحمن،. تكررت كلمة آلاء فيها 31 مرة،. خصت هذه السورة بهذه الآية،. ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾،. فأبين ما فيها كلمة ((آلاء))،. والرّحمنْ! الاسم الدال علىٰ القوة والشدة والقدرة!،. قالَ اْللّٰه،. ﴿قُلْ مَنْ ((يَكْلَؤُكُمْ)) بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ ((الرَّحْمَٰنِ)) بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ [اﻷنبياء 42]،.

هذه من قوته وعزته وقوته وحفظه لخلقه! وهذه الآية وحدها تكفي لتعلم منها اسم (الرّحمنْ)، وهذه مثلها،.. ﴿أَمَّنْ هَٰذَا الَّذِي هُوَ ((جُنْدٌ)) لَكُمْ ((يَنْصُرُكُمْ)) مِنْ دُونِ ((الرَّحْمَٰنِ)) إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ﴾ [الملك 20]،.

فنحت الجبال من آلاء الله، والجبال من أظهر البيوت أماناً،. قالَ اْللّٰه،. ﴿وَكَانُوا ((يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ))﴾ [الحجر 82]،. والبيت المنحوت في الجبل لا يخرب ولا يَقدَم، ولا يتهالك ولا يخر بك ويحميك البرد والحر،. ويحفظك،.

3 ــ الكهوف في الجبال،.

الكهف عبارة عن تجويف داخل جبل،. والجبل أحجارٌ وصخور،. فالكهف تجويف في الصخور! يكون مأمناً وملجأً ومأوى لمن دخله،.

تجد في سورة الكهف (صخور) كثيرة! كلها لها وظيفة واحدة! الحفظ،.

فمثلاً أصحاب الكهف،. قال اللّه عنهم،. ﴿إِذْ ((أَوَى)) الْفِتْيَةُ إِلَى ((الْكَهْفِ)) فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ ((رَحْمَةً)) وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ [الكهف 10]،. لاحظ الإيــواء،. والكهف المكون من الصخور،.

وغلام موسى ﷺ كذلك حين ذكر الصخرة قال (أوينا) فكانت الصخرة مأوى،. ﴿قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ ((أَوَيْنَا)) إِلَى ((الصَّخْرَةِ)) فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا﴾ [الكهف 63]،.

وكنز أبناء الرجل الصالح،. حفظه اللّه لليتيمين بجدار،. والجدار أصله صخور أو أحجار،. ﴿وَأَمَّا ((الْجِدَارُ)) فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا ((رَحْمَةً)) مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَٰلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف 82]،.

وذو القرنين -عَلَيْه اْلصَّلَاْة وَاْلسَّلَاْم،. ﴿قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ ((رَدْمًا)) ۝ آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّىٰ إِذَا سَاوَىٰ بَيْنَ ((الصَّدَفَيْنِ)) قَالَ انْفُخُوا حَتَّىٰ إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا ۝ فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا ۝ قَالَ هَٰذَا ((رَحْمَةٌ)) مِنْ رَبِّي..﴾ [الكهف 95 ـ 98]،.

وسورة ((الْكَهْفِ)) نفسها،. أمان من الفتن!،. فقد روي عن رسُول اللّه ﷺ بسند فيه مقال،. ﴿من حفِظ عشرَ آياتٍ من أولِ سورةِ ((الكهفِ، عُصِمَ)) من الدَّجَّالِ﴾ صحيح مسلم – 809.

فالسؤال هنا، لماذا تحديداً سورة ((الكهف)) هي التي تنجي من ((الفتن))،. أو من أعظم ((فتنة))؟!،. اربط بين الجبل والأمن، الكهف في الجبل يحفظك من الفتن،.

4 ــ الجبال تبعدك عن الفتن،.

ﻋﻦ ﻋﺒﺪ اﻟﻠﻪ ﺑﻦ ﻋﺒﺪ اﻟﺮﺣﻤﻦ ﺑﻦ ﺃﺑﻲ ﺻﻌﺼﻌﺔ، ﻋﻦ ﺃﺑﻲ ﺳﻌﻴﺪ اﻟﺨﺪﺭﻱ، ﺃﻧﻪ ﻗﺎﻝ: “ﻗﺎﻝ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﷺ ﴿ﻳﻮﺷﻚ ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﺧﻴﺮ ﻣﺎﻝ اﻟﻤﺴﻠﻢ ﻏﻨﻢ ﻳﺘﺒﻊ ﺑﻬﺎ ((ﺷﻌﻒ اﻟﺠﺒﺎﻝ ﻭﻣﻮاﻗﻊ اﻟﻘﻄﺮ، ﻳﻔﺮ ﺑﺪﻳﻨﻪ ﻣﻦ اﻟﻔﺘﻦ))﴾ ﺃﺧﺮﺟﻪ اﻟﺤﻤﻴﺪﻱ، ﻭﺃﺣﻤﺪ، ﻭﻋﺒﺪ ﺑﻦ ﺣﻤﻴﺪ، ﻭاﻟﺒﺨﺎﺭﻱ، ﻭاﺑﻦ ﻣﺎﺟﺔ،.

وحين هاجر النّبي ﷺ من مكة، أول مكان ذهب إليه هو غار ثور، والغار تجويف في جبل،. حفظه الله فيه حتى خرج منه إلى المدينة،.

قال أبوبكر رَضِي اللّه عَنهُ،. كنتُ معَ النبيِّ ﷺ في ((الغارِ)) فرأَيتُ آثارَ المُشرِكينَ قلتُ: يا رسولَ اللهِ، لو أنَّ أحدَهم رفَع قدمَه رآنا، قال ﴿ما ظنُّك باثنَينِ اللهُ ثالثُهما﴾ رواه البخاري،.

5 ــ البلد الأمين [مكة]،. محاط بالجبال،.

قال الله عن مكة،. ﴿وَهَٰذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ [التين 2]،.
وقال عن مكة،. ﴿..أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ ((حَرَمًا آمِنًا))..﴾ [القصص 57]،.
وقال إبراهيم عن مكة،. ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا ((الْبَلَدَ آمِنًا))..﴾ [إبراهيم 35]،. وبعدها بآيات،. ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِـ((ـوَادٍ))..﴾ [إبراهيم 37]،.

فليس غريباً أن تكون مكة [جبلية]،. محاطة بالجبال من كل جانب،. هي الْبَلَدِ الْأَمِين،. لابد لها من ذلك،. وليست مكة وحدها المحاطة بجبال،. وإن كانت هي أبرزها،. ولكن هناك المدينة والقدس كذلك،. فالقدس فيه جبل الطور، والمدينة فيها جبل أحد، وجبال أخرى تحيط بها،.

لماذا هذه المدن الثلاثة، التي اختارها الله لجل أنبيائه والتي دارت حولها الأحداث العظام،. ونزل فيها معظم الوحي، ليست على سواحل البحر؟! لماذا كلها أراضي محاطة بالجبال؟! هل هذه مصادفة أم ثمة حكمة من الله وراء ذلك كله؟! لا شك أنها لحكمة،. ألا وهي لحفظها وسلامتها وأمانها،.

ولا ننسى هنا حديث ملك الجبال الذي روته عائشة أُمّ المُؤْمنِين،. حين سألت النّبي ﷺ،. ﻫﻞ ﺃﺗﻰ ﻋﻠﻴﻚ ﻳﻮﻡ ﻛﺎﻥ ﺃﺷﺪ ﻣﻦ ﻳﻮﻡ ﺃﺣﺪ، ﻗﺎﻝ ﴿ﻟﻘﺪ ﻟﻘﻴﺖ ﻣﻦ ﻗﻮﻣﻚ ﻣﺎ ﻟﻘﻴﺖ، ﻭﻛﺎﻥ ﺃﺷﺪ ﻣﺎ ﻟﻘﻴﺖ ﻣﻨﻬﻢ ﻳﻮﻡ اﻟﻌﻘﺒﺔ، ﺇﺫ ﻋﺮﺿﺖ ﻧﻔﺴﻲ ﻋﻠﻰ اﺑﻦ ﻋﺒﺪ ﻳﺎﻟﻴﻞ ﺑﻦ ﻋﺒﺪ ﻛﻼﻝ، ﻓﻠﻢ ﻳﺠﺒﻨﻲ ﺇﻟﻰ ﻣﺎ ﺃﺭﺩﺕ، ﻓﺎﻧﻄﻠﻘﺖ ﻭﺃﻧﺎ ﻣﻬﻤﻮﻡ ﻋﻠﻰ ﻭﺟﻬﻲ، ﻓﻠﻢ ﺃﺳﺘﻔﻖ ﺇﻻ ﻭﺃﻧﺎ ﺑﻘﺮﻥ اﻟﺜﻌﺎﻟﺐ ﻓﺮﻓﻌﺖ ﺭﺃﺳﻲ، ﻓﺈﺫا ﺃﻧﺎ ﺑﺴﺤﺎﺑﺔ ﻗﺪ ﺃﻇﻠﺘﻨﻲ، ﻓﻨﻈﺮﺕ ﻓﺈﺫا ﻓﻴﻬﺎ ﺟﺒﺮﻳﻞ، ﻓﻨﺎﺩاﻧﻲ ﻓﻘﺎﻝ: ﺇﻥ اﻟﻠﻪ ﻗﺪ ﺳﻤﻊ ﻗﻮﻝ ﻗﻮﻣﻚ ﻟﻚ، ﻭﻣﺎ ﺭﺩﻭا ﻋﻠﻴﻚ، ﻭﻗﺪ ﺑﻌﺚ ﺇﻟﻴﻚ ﻣﻠﻚ اﻟﺠﺒﺎﻝ ﻟﺘﺄﻣﺮﻩ ﺑﻤﺎ ﺷﺌﺖ ﻓﻴﻬﻢ، ﻓﻨﺎﺩاﻧﻲ ﻣﻠﻚ اﻟﺠﺒﺎﻝ ﻓﺴﻠﻢ ﻋﻠﻲ، ﺛﻢ ﻗﺎﻝ: ﻳﺎ ﻣﺤﻤﺪ، ﻓﻘﺎﻝ، ﺫﻟﻚ ﻓﻴﻤﺎ ﺷﺌﺖ، ﺇﻥ ﺷﺌﺖ ﺃﻥ ﺃﻃﺒﻖ ﻋﻠﻴﻬﻢ اﻷﺧﺸﺒﻴﻦ؟ ﻓﻘﺎﻝ اﻟﻨﺒﻲ ﷺ ﺑﻞ ﺃﺭﺟﻮ ﺃﻥ ﻳﺨﺮﺝ اﻟﻠﻪ ﻣﻦ ﺃﺻﻼﺑﻬﻢ ﻣﻦ ﻳﻌﺒﺪ اﻟﻠﻪ ﻭﺣﺪﻩ، ﻻ ﻳﺸﺮﻙ ﺑﻪ ﺷﻴﺌﺎ﴾ رواه البخاري،.

كانوا محفوظين بتلك الجبال، ولو شاء الله لأطبق عليهم ما تعززوا به وما آووا إليه من حفظ وأمان،.

ــــــــــ الختام،..

يوم القيامة،. يوم الفزع الأكبر،. يوم الخوف،. حيث كل شيء يدَمّر، ويعم الخراب، وينعدم الأمن والأمان،. من أبين علاماتها زوال الجبال،. فالوظيفة الأساسية التي جعلها الله في الجبال عموماً،. هو تثبيت الأرض عن الحركة والميد، وحفظها وتأمين أهلها،. فهي المسؤولة عن الحفظ والسلامة وتثبيت الأرض، لتمكين الناس من العيش والحياة عليها،.

وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينْ،. رَبَنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا،.. ﴿ذَٰلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾،.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق