الأربعاء، 14 سبتمبر 2022

الراسخون في العلم،.

 

الراسخون في العلم،.

الراسخون في العلم،.

كثيرٌ من المسلمين، يسمعون بهذه الكلمة [الراسخون في العلم]،. فيظنونها منزلة عظيمة، لا يبلغها إلا الأكابر والكبراء، وهو لا يدري أنها فيه هو، هو من الراسخين في العلم!!،.

من هم الراسخون في العلم؟!،. هل هم العلماء المجتهدون؟!،. الذين أفنوا أعمارهم؟!،. الذين يفهمون القُــرآن والسنة على وجهها الحقيقي كما أراد الله؟!،. هل هم المشاهير [الفاشينيستات]؟!،. هل هم الذي عرفوا بالعلم وتعليمه وتدريسه؟!،. هل هم أصحاب المفتون والدكاترة وأصحاب المناصب والشهادات؟!،.

الجواب : لا،…

ذكر الله الراسخون في العلم في موضعين في القُــرآن،. الأولى في آل عمران،. والأخرى في النساء،. والمفسرين ركزوا على الاسم ذاته، وتركوا السياق الذي ورد فيه الرسوخ في العلم [الذي يعطيك معنى الاسم نفسه]،. فظنوا أن الراسخون في العلم هم العلماء الذين يعلمون مالا يعلمه غيرهم من الناس، وهذا باطل،.

باطلٌ لأن الله يعلم أن أفهام الناس متغايرة عن بعض، ويعلم أن قدراتهم في الاستيعاب تتفاوت،. ليس كل الناس يفهم ويفقه كما يريد الله،. والله يعلم ذلك، لا يحج الناس بأفهامها المختلفة،. إنما يحجهم بإيمانهم بما أنزل،.

ــــ الله دائماً يطلب من الناس أقل القليل، ومن زاد فهو خيرٌ ونعمة،. ولكن الله لن يحاسبه إلا على أقله،.

ــ التدين درجات،. يبدأ بالاسلام، ثم أعلى منه الايمان، ثم أعلاه الإحسان،. والله طلب منا ألا نموت إلا على [أقل درجة منها]،. قالَ اْللّٰه،. ﴿یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ *((وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ))﴾* [آل عمران 102]،. فمن زاد فهو خيرٌ له،. والله لن يحاسبه إلا على أقلها [الاسلام]،.

إيتاء المال درجات،. يبدأ بالزكاة، ثم أعلى منه النفقة، ثم أعلاه الصدقة،. والله طلب منا أقلها،. قالَ اْللّٰه،. ﴿وَأَقِیمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ وَمَا تُقَدِّمُوا۟ لِأَنفُسِكُم مِّنۡ خَیۡرࣲ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِیرࣱ﴾ [البقرة 110]،. فمن زاد فهو خيرٌ له،. والله لن يحاسبه إلا على أقلها [الزكاة المفروضة]،.

ــ في الصلاة، فرض خمس صلوات مكتوبة فقط،. فمن زاد تطوعاً وقام الليل فهو خير له [ولكن لن يحاسبك إلا على أقلها، الخمسة]،. وفي الصيام، فرض شهر رمضان فقط، فمن صام يوماً زيادة، باعد بينه وبين النار سبعون خريفاً [ولكنه لن يحاسبك إلا على أقلها، شهر رمضان]،. وفي الصيام طلب أياماً معدودات [هي من ثلاثة أيام إلى ستة أيام]،. فمن زاد، قالَ اْللّٰه،. ﴿أَیَّامࣰا مَّعۡدُودَاتࣲ …… وَعَلَى ٱلَّذِینَ یُطِیقُونَهُ فِدۡیَةࣱ طَعَامُ مِسۡكِینࣲ *((فَمَن تَطَوَّعَ خَیۡرࣰا فَهُوَ خَیۡرࣱ لَّهُ))* وَأَن تَصُومُوا۟ خَیۡرࣱ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ﴾ [البقرة 184]،.

وهكذا في كل الدين،. حتى أمر الكافر بأقل القليل لينجيه من النار،. طلب منه أن يقول (لاْ إِلَهَ إِلّا اْللّٰه؛ مُحَمَّداً رَسُوْلُ اْللّٰه) فأبى الكافر أن يقولها،.

ﻋﻦ ﺃﺑﻲ ﻋﻤﺮاﻥ اﻟﺠﻮﻧﻲ، ﻗﺎﻝ: ﺳﻤﻌﺖ ﺃﻧﺲ ﺑﻦ ﻣﺎﻟﻚ، ﻳﺤﺪﺙ ﻋﻦ اﻟﻨﺒﻲ ﷺ، ﻗﺎﻝ: “ﻳﻘﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﻷﻫﻮﻥ ﺃﻫﻞ اﻟﻨﺎﺭ ﻋﺬاﺑﺎ: ﻟﻮ ﺃﻥ ﻟﻚ ﻣﺎ ﻓﻲ اﻷﺭﺽ ﻣﻦ ﺷﻲء، ﻛﻨﺖ ﺗﻔﺘﺪﻱ ﺑﻪ؟ ﻓﻴﻘﻮﻝ: ﻧﻌﻢ، ﻓﻴﻘﻮﻝ: ﻗﺪ ﺃﺭﺩﺕ ﻣﻨﻚ ﻣﺎ ﺃﻫﻮﻥ ﻣﻦ ﻫﺬا، ﻭﺃﻧﺖ ﻓﻲ ﺻﻠﺐ ﺁﺩﻡ، ﺃﻥ ﻻ ﺗﺸﺮﻙ ﺑﻲ ﺷﻴﺌﺎ، ﻓﺄﺑﻴﺖ ﺇﻻ ﺃﻥ ﺗﺸﺮﻙ ﺑﻲ”.
– ﻭﻓﻲ ﺭﻭاﻳﺔ: “ﻳﻘﻮﻝ اﻟﻠﻪ، ﺗﺒﺎﺭﻙ ﻭﺗﻌﺎﻟﻰ، ﻷﻫﻮﻥ ﺃﻫﻞ اﻟﻨﺎﺭ ﻋﺬاﺑﺎ: ﻟﻮ ﻛﺎﻧﺖ ﻟﻚ اﻟﺪﻧﻴﺎ ﻭﻣﺎ ﻓﻴﻬﺎ، ﺃﻛﻨﺖ ﻣﻔﺘﺪﻳﺎ ﺑﻬﺎ؟ ﻓﻴﻘﻮﻝ: ﻧﻌﻢ، ﻓﻴﻘﻮﻝ: ﻗﺪ ﺃﺭﺩﺕ ﻣﻨﻚ ﺃﻫﻮﻥ ﻣﻦ ﻫﺬا، ﻭﺃﻧﺖ ﻓﻲ ﺻﻠﺐ ﺁﺩﻡ، ﺃﻥ ﻻ ﺗﺸﺮﻙ، ﺃﺣﺴﺒﻪ ﻗﺎﻝ: ﻭﻻ ﺃﺩﺧﻠﻚ اﻟﻨﺎﺭ، ﻓﺄﺑﻴﺖ ﺇﻻ اﻟﺸﺮﻙ”.
ﺃﺧﺮﺟﻪ ﺃﺣﻤﺪ، ﻭاﻟﺒﺨﺎﺭﻱ، ﻭﻣﺴﻠﻢ، ﻭاﺑﻦ ﺃﺑﻲ ﻋﺎﺻﻢ، ﻓﻲ “اﻟﺴﻨﺔ”، ﻭﺃﺑﻮ ﻳﻌﻠﻰ.

ﻋﻦ ﻗﺘﺎﺩﺓ، ﻗﺎﻝ: ﺣﺪﺛﻨﺎ ﺃﻧﺲ ﺑﻦ ﻣﺎﻟﻚ، ﺃﻥ ﻧﺒﻲ اﻟﻠﻪ ﷺ ﻛﺎﻥ ﻳﻘﻮﻝ:
“ﻳﺠﺎء ﺑﺎﻟﻜﺎﻓﺮ ﻳﻮﻡ اﻟﻘﻴﺎﻣﺔ، ﻓﻴﻘﺎﻝ ﻟﻪ: ﺃﺭﺃﻳﺖ ﻟﻮ ﻛﺎﻥ ﻟﻚ ﻣﻞء اﻷﺭﺽ ﺫﻫﺒﺎ ﺃﻛﻨﺖ ﺗﻔﺘﺪﻱ ﺑﻪ؟ ﻓﻴﻘﻮﻝ: ﻧﻌﻢ، ﻓﻴﻘﺎﻝ ﻟﻪ: ﻗﺪ ﻛﻨﺖ ﺳﺌﻠﺖ ﻣﺎ ﻫﻮ ﺃﻳﺴﺮ ﻣﻦ ﺫﻟﻚ”.
ﺃﺧﺮﺟﻪ ﺃﺣﻤﺪ، ﻭﻋﺒﺪ ﺑﻦ ﺣﻤﻴﺪ، ﻭاﻟﺒﺨﺎﺭﻱ، ﻭﻣﺴﻠﻢ، ﻭﺃﺑﻮ ﻳﻌﻠﻰ، ﻭاﺑﻦ ﺣﺒﺎﻥ. [ﺻﺮﺡ ﻗﺘﺎﺩﺓ ﺑﺎﻟﺴﻤﺎﻉ، ﻋﻨﺪ ﺃﺣﻤﺪ (13321)، ﻭاﻟﺒﺨﺎﺭﻱ، ﻭﻣﺴﻠﻢ (7187)، ﻭﺃﺑﻲ ﻳﻌﻠﻰ (2926)، ﻭاﺑﻦ ﺣﺒﺎﻥ]،.

فكذلك تعامل الناس مع الآيات،. هي درجات، تبدأ بالإيمان بها، ثم تدبرها، ثم فهمها وفقهها،. ثم العمل بها،. ثم تعليمها،. ولكن الله لن يحاسب الناس إلا على أقلها [الإيمان بها]،. ومن زاد فهو خيرٌ له،. وحقيقةً، ليس كل الناس يستطيع تدبر القُــرآن [رغم أنهم مأمورون به]، ولا كلهم يستطيعون فهمه وفقهه وقد يفوتهم الكثير [رغم أنهم مأمورون به]، ولا كل الناس تستطيع العمل [رغم أنهم مطالبون به]،. فلو حاسب الله الناس على هذه الأشياء لهلكوا ولن ينجوا منهم إلا القليل، ولكن منررحمة الله بالناس، أمرهم بأقلها جهداً، ألا وهو الإيمان بما أنزل، والتسليم لما قال،. (ليت الكبراء فعلوها)،. ووعدهم بأجزل العطاء والأجر،.

ــــــــــــ من هم الراسخون في العلم؟!،….

الراسخ في العلم، مسمىً جعله الله [في كلا الموضعين] للذين آمنوا، وليس للذين تعلَموا وعلِموا أو علّموا غيرهم،. وهذا أقل القليل،.

قالَ اْللّٰه في أول ذكرٍ للراسخين في العلم،. ﴿هُوَ ٱلَّذِي أَنزَلَ عَلَیۡكَ ٱلۡكِتَابَ مِنۡهُ ءَایَاتࣱ مُّحۡكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلۡكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتࣱ فَأَمَّا ٱلَّذِینَ فِي قُلُوبِهِمۡ زَیۡغࣱ فَیَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنۡهُ ٱبۡتِغَاۤءَ ٱلۡفِتۡنَةِ وَٱبۡتِغَاۤءَ تَأۡوِیلِهِ وَمَا یَعۡلَمُ تَأۡوِیلَهُ إِلَّا ٱللَّهُ *((وَٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلۡعِلۡمِ [[یَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِ كُلࣱّ مِّنۡ عِندِ رَبِّنَا]] وَمَا یَذَّكَّرُ إِلَّاۤ أُو۟لُوا۟ ٱلۡأَلۡبَابِ ۝ رَبَّنَا لَا تُزِغۡ قُلُوبَنَا بَعۡدَ إِذۡ هَدَیۡتَنَا وَهَبۡ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحۡمَةً إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡوَهَّابُ ۝ رَبَّنَاۤ إِنَّكَ جَامِعُ ٱلنَّاسِ لِیَوۡمࣲ لَّا رَیۡبَ فِیهِ))* إِنَّ ٱللَّهَ لَا یُخۡلِفُ ٱلۡمِیعَادَ﴾ [آل عمران 7 – 9]،.

تجد أول سمة للراسخين في العلم أنهم *((يؤمنون بكل ما أنزله، لا يردون شيئاً منه، بحجة أنه متناقض!! فوجب نسخ بعضه ورفعه ليزول التناقض فيما أنزله الله))،.*

يؤمنون بكل ما أنزله الله دون معارضته بالواقع، أو بالتجارب والنظريات، أو بأقوال العلماء والكتب والجامعات،. يؤمنون بكل ما أنزل الله، ولو لم يفهموا،. فالفهم ليس مشروطاً بالراسخين في العلم،. بل قد تجد كثيراً منهم يؤمنون به وهم لا يفهمونه،. هؤلاء راسخون في العلم،.

وفي سورة النساء تكلم اْللّٰه عن أهل الكتاب، وأنهم قالوا قتلنا عيسى بن مريم، فردّ اللّٰه دعواهم، ثم قال بعدها،. ﴿فَبِظُلۡمࣲ مِّنَ ٱلَّذِینَ هَادُوا۟ حَرَّمۡنَا عَلَیۡهِمۡ طَیِّبَاتٍ أُحِلَّتۡ لَهُمۡ وَبِصَدِّهِمۡ عَن سَبِیلِ ٱللَّهِ كَثِیرࣰا ۝ وَأَخۡذِهِمُ ٱلرِّبَوٰا۟ وَقَدۡ نُهُوا۟ عَنۡهُ وَأَكۡلِهِمۡ أَمۡوَالَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡبَاطِلِ وَأَعۡتَدۡنَا لِلۡكَافِرِینَ مِنۡهُمۡ عَذَابًا أَلِیمࣰا ۝ *((لَّكِنِ ٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلۡعِلۡمِ مِنۡهُمۡ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ [[یُؤۡمِنُونَ بِمَاۤ أُنزِلَ إِلَیۡكَ وَمَاۤ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ]] وَٱلۡمُقِیمِینَ ٱلصَّلَوٰةَ وَٱلۡمُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡیَوۡمِ ٱلۡـَٔاخِرِ أُو۟لَئكَ سَنُؤۡتِیهِمۡ أَجۡرًا عَظِیمًا ۝ إِنَّاۤ أَوۡحَیۡنَاۤ إِلَیۡكَ كَمَاۤ أَوۡحَیۡنَاۤ إِلَىٰ نُوحࣲ وَٱلنَّبِیِّينَ مِنۢ بَعۡدِهِ وَأَوۡحَیۡنَاۤ إِلَىٰۤ إِبۡرَاهِیمَ وَإِسۡمَاعِیلَ وَإِسۡحَاقَ وَیَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطِ وَعِیسَىٰ وَأَیُّوبَ وَیُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَیۡمَانَ وَءَاتَیۡنَا دَاوُودَ زَبُورࣰا))* ۝ وَرُسُلࣰا قَدۡ قَصَصۡنَاهُمۡ عَلَیۡكَ مِن قَبۡلُ وَرُسُلࣰا لَّمۡ نَقۡصُصۡهُمۡ عَلَیۡكَ وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكۡلِیمࣰا﴾ [النساء 160 – 164]،.

ففي كلا الموضعين، (لا تجد العلم) الذي يعرفه الناس، وتدارُسُه وتعليمُه وإنشاء الدروس والمحاضرات وكتابة الكتب وهكذا،. *((إنما تجد الإيمان بما أنزله الله كله ولو لم تفهمه، ولو لم تتدبره،. هذا الذي يؤمن بما أنزل الله،. يسميه الله راسخٌ في العلم،. هكذا يسميه الله))،.*

لأن التمسك بكل ما أنزل الله دون ردّ شيءٍ منه،. [وإن لم تفهم منه أموراً]،. يُعد من قمة الثبات على الحق القاطع، وفيه قمة اليقين بالله وكلامه أنه كله حق، وليس فيه مخالفة ولا تناقض،. وهذا هو بداية العلم،. (هكذا ترسخ فيه)،. والرسوخ التثبيت والغرس حتى الثبات،. كمن رسخت أرجله في الطين فعلق فيه وثبت،. الراسخ في العلم على يقين أنه كله من عند الله،. فلا يقول بنسخ شيءٍ منه،.

ثم ذكر الله الشهادة بعدها بآية،. ﴿لَّكِنِ ٱللَّهُ یَشۡهَدُ بِمَاۤ أَنزَلَ إِلَیۡكَ *((أَنزَلَهُ بِعِلۡمِهِ وَٱلۡمَلَائكَةُ یَشۡهَدُونَ))* وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِیدًا﴾ [النساء 166]،.

الآن ارجع لسورة آل عمران [التي فيها أو ذكر للراسخين في العلم]،. لتجد مثاني هذه الشهادة بعدها بآيات،. قالَ اْللّٰه،. *﴿((شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لَاۤ إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَٱلۡمَلَائكَةُ وَأُو۟لُوا۟ ٱلۡعِلۡمِ قَاۤئمَۢا بِٱلۡقِسۡطِ))* لَاۤ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡعَزِیزُ ٱلۡحَكِیمُ﴾ [آل عمران 18]،.

الراسخ في العلم، مسمىً جعله الله [في كلا الموضعين] للذين آمنوا، وليس للذين علموا أو علّموا غيرهم،. وهذا أقل القليل، وهذا مالا يفعله علماء المسلمين الذين يؤمنون بالناسخ والمنسوخ،. يؤمنون ببعض الكتاب ويبطلون بعضه،. هؤلاء لم يؤمنوا بالكتاب كله، فليسوا من الراسخين في العلم،.

ــ الحقيقة المرة، كم ردّ العلماء من الآيات والأحاديث الصحيحة؟!،. وكم نسخوا منها فأبطلوها وأزالوها وطمسوا نورها؟!،. كم رفعوا من أحكامٍ أنزلها الله في القُــرآن؟!،. كم حذفوا وكم من آية جعلوها وكأنها تحفة فنية، لا فائدة منها سوى الأجر والمثوبة؟!،. وكم تدخّلوا في السنة بعدما بينها الرَّسـوْل ﷺ فاختلفوا فيما قال؟!،. فتركوا كثيراً من الوحي؟!،. فهؤلاء لا يحق تسميتهم بأهل علم،. ولا هم راسخون في العلم،. إذ أن مبدؤ العلم الايمان والاسلام،. [الاسلام] التسليم والانقياد، والخضوع والتذلل والسمع والطاعة،. ثم [الايمان] بكل ما أنزل الله، ولو لم يعجبك، ولو لم تفهمه، ولو لم يوافق هواك، ولو لم يدخل عقلك،. فلا تظن بأن درجة (الرسوخ في العلم) سهلة،. بل هي فتنة واختبار،. يراك الله ماذا ستفعل بآياته التي لم تفهمها،.

ــــ خاطرة،..

في آية آل عمران،. استوقفني جداً قول الراسخين في العلم،. ﴿..ءَامَنَّا بِهِ كُلࣱّ مِّنۡ عِندِ رَبِّنَا..﴾ [آل عمران 7]،. جئت أتصور موقف القائل لهذا القول، لأشعر فيه وهو يقولها لأعرف ماذا أراد بها، فوضعت نفسي مكانه لأستطيع تصور حاله حين قالها،. فوجدت أن مثل هذا القول، لا يقال إلا في موضعٍ يجد فيه المسلم أن أبواب الفهم قد سُدت أمامه،. وأنه حاول أن يتبصّر ويتدبر قصةً ما في القُــرآن أو آية معينة، فلم يعيها، أو حاول التوفيق بين آيتين [زُعم أنها مناسيخ] فهم يُوفّق في الجمع بينهما ليخرج مما قاله العلماء [أن بينهما تناقضاً]،. فضاقت به السبل، ووصل به الحال لمرحلة وقف عندها [رافضاً قول الكبراء أن في القُــرآن تناقضاً يلزمه نسخ بعض آياته]،. فقال هذه الكلمة،. ﴿..ءَامَنَّا بِهِ كُلࣱّ مِّنۡ عِندِ رَبِّنَا..﴾،. ولو لم أفهم كيف وماذا،. آمنت به، هو من عندك ربي،.

فهذه الكلمة *(أولى الناس)* بقولها هو الذي لم يفهم بعض الآيات فقالها *[[ولم يردها ولم يشكك فيها]]*،. وليست الكلمة للذي يفهم ويتدبر ويفقه ويجتهد ويسعى للوصول،. فتلك مرحلة لو بلغتها لقلت [أشهد أنه كله كلام الله بحق]،. لن تقول،. ﴿..رَبَّنَا لَا تُزِغۡ قُلُوبَنَا بَعۡدَ إِذۡ هَدَیۡتَنَا..﴾،.

فهذه المقولة،. ﴿..رَبَّنَا لَا تُزِغۡ قُلُوبَنَا بَعۡدَ إِذۡ هَدَیۡتَنَا..﴾ [آل عمران 8]،. يقولها الذي يخشى أن يزيغ قلبه من كثرة ما يسمع من تشكيك في القُــرآن،. تشكيك من الملاحدة والعلماء،. فيسأل الله أن يثبته ولا يزيغ قلبه،.

التشكيك في القُــرآن [الادعاء أن فيه تنقضات يلزمها حذف ورفع ونسخ وترقيع]،… لا يأتي إلا من اثنين،. (1) الملاحدة،. (2) العلماء،.

ولا تظن أبداً بأن ((الإيمان بما أنزل الله))،. أمر ثانوي وليس بأساسي،. بل هو أول ما ذكره الله في سمات المؤمنين،. الإيمان بما أنزل الله،.

ــ من أول القُــرآن، حين تكلم الله عن المتقين قال،. *﴿((وَٱلَّذِینَ یُؤۡمِنُونَ بِمَاۤ أُنزِلَ إِلَیۡكَ وَمَاۤ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ))* وَبِٱلۡـَٔاخِرَةِ هُمۡ یُوقِنُونَ ۝ أُو۟لَئكَ عَلَىٰ هُدࣰى مِّن رَّبِّهِمۡ وَأُو۟لَئكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ﴾ [البقرة 4 – 5]،. وقال في آخر البقرة،. *﴿((ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَاۤ أُنزِلَ إِلَیۡهِ مِن رَّبِّهِ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ))* كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَائكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَیۡنَ أَحَدࣲ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُوا۟ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَا غُفۡرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَیۡكَ ٱلۡمَصِیرُ﴾ [البقرة 285]،.
ــ وأول ما خاطب بني إسرائيل في القُــرآن قال،. ﴿یَا بَنِي إِسۡرَاءِیلَ ٱذۡكُرُوا۟ نِعۡمَتِيَ ٱلَّتِي أَنۡعَمۡتُ عَلَیۡكُمۡ وَأَوۡفُوا۟ بِعَهۡدِي أُوفِ بِعَهۡدِكُمۡ وَإِیَّاي فَٱرۡهَبُونِ ۝ *((وَءَامِنُوا۟ بِمَاۤ أَنزَلۡتُ مُصَدِّقࣰا لِّمَا مَعَكُمۡ وَلَا تَكُونُوۤا۟ أَوَّلَ كَافِرِۭ بِهِ))* وَلَا تَشۡتَرُوا۟ بِـَٔایَاتي ثَمَنࣰا قَلِیلࣰا وَإِیَّايَ فَٱتَّقُونِ ۝ وَلَا تَلۡبِسُوا۟ ٱلۡحَقَّ بِٱلۡبَاطِلِ وَتَكۡتُمُوا۟ ٱلۡحَقَّ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ﴾ [البقرة 40 – 42]،.
ــ وقد لعنهم الله لأنهم كفروا بما أنزل الله،. قالَ اْللّٰه،. ﴿وَلَمَّا جَاۤءَهُمۡ كِتَابࣱ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقࣱ لِّمَا مَعَهُمۡ وَكَانُوا۟ مِن قَبۡلُ یَسۡتَفۡتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ *((فَلَمَّا جَاۤءَهُم مَّا عَرَفُوا۟ كَفَرُوا۟ بِهِ فَلَعۡنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلۡكَافِرِینَ ۝ بِئۡسَمَا ٱشۡتَرَوۡا۟ بِهِ أَنفُسَهُمۡ أَن یَكۡفُرُوا۟ بِمَاۤ أَنزَلَ ٱللَّهُ))* بَغۡیًا أَن یُنَزِّلَ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِ عَلَىٰ مَن یَشَاۤءُ مِنۡ عِبَادِهِ فَبَاۤءُو بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبࣲ وَلِلۡكَافِرِینَ عَذَابࣱ مُّهِینࣱ ۝ وَإِذَا قِیلَ لَهُمۡ *((ءَامِنُوا۟ بِمَاۤ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُوا۟ نُؤۡمِنُ بِمَاۤ أُنزِلَ عَلَیۡنَا وَیَكۡفُرُونَ بِمَا وَرَاۤءَهُ وَهُوَ ٱلۡحَقُّ مُصَدِّقࣰا))* لِّمَا مَعَهُمۡ قُلۡ فَلِمَ تَقۡتُلُونَ أَنۢبِیَاۤءَ ٱللَّهِ مِن قَبۡلُ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِینَ﴾ [البقرة 89 – 91]،.
ــ قالَ اْللّٰه،. ﴿وَلَقَدۡ أَنزَلۡنَاۤ إِلَیۡكَ ءَایَاتِۭ بَیِّنَاتࣲ وَمَا یَكۡفُرُ بِهَاۤ إِلَّا ٱلۡفَاسِقُونَ﴾ [البقرة 99]،.
ــ قالَ اْللّٰه،. ﴿قُولُوۤا۟ *((ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَاۤ أُنزِلَ إِلَیۡنَا وَمَاۤ أُنزِلَ إِلَىٰۤ إِبۡرَاهِيمَ وَإِسۡمَاعِیلَ وَإِسۡحَاقَ وَیَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطِ وَمَاۤ أُوتِي مُوسَىٰ وَعِیسَىٰ وَمَاۤ أُوتِيَ ٱلنَّبِیُّونَ مِن رَّبِّهِمۡ))* لَا نُفَرِّقُ بَیۡنَ أَحَدࣲ مِّنۡهُمۡ وَنَحۡنُ لَهُ مُسۡلِمُونَ ۝ فَإِنۡ ءَامَنُوا۟ بِمِثۡلِ مَاۤ ءَامَنتُم بِهِ فَقَدِ ٱهۡتَدَوا۟ وَّإِن تَوَلَّوۡا۟ فَإِنَّمَا هُمۡ فِي شِقَاقࣲ فَسَیَكۡفِیكَهُمُ ٱللَّهُ وَهُوَ ٱلسَّمِیعُ ٱلۡعَلِیمُ﴾ [البقرة 136 – 137]،.
ــ وقال الحواريون،. *﴿((رَبَّنَاۤ ءَامَنَّا بِمَاۤ أَنزَلۡتَ))* وَٱتَّبَعۡنَا ٱلرَّسُولَ فَٱكۡتُبۡنَا مَعَ ٱلشَّاهِدِینَ﴾ [آل عمران 53]،.
ــ قالَ اْللّٰه،. ﴿یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ *((ءَامِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَٱلۡكِتَابِ ٱلَّذِي نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَٱلۡكِتَابِ ٱلَّذِي أَنزَلَ مِن قَبۡلُ))* وَمَن یَكۡفُرۡ بِٱللَّهِ وَمَلَائكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَٱلۡیَوۡمِ ٱلۡـَٔاخِرِ فَقَدۡ ضَلَّ ضَلَالَۢا بَعِیدًا﴾ [النساء 136]،.
ــ وقال،. ﴿یَـٰۤأَیُّهَا ٱلنَّاسُ قَدۡ جَاۤءَكُم بُرۡهَانࣱ مِّن رَّبِّكُمۡ *((وَأَنزَلۡنَاۤ إِلَیۡكُمۡ نُورࣰا مُّبِینࣰا ۝ فَأَمَّا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ بِٱللَّهِ وَٱعۡتَصَمُوا۟ بِهِ))* فَسَیُدۡخِلُهُمۡ فِي رَحۡمَةࣲ مِّنۡهُ وَفَضۡلࣲ وَیَهۡدِیهِمۡ إِلَیۡهِ صِرَاطࣰا مُّسۡتَقِیمࣰا﴾ [النساء 174 – 175]،.

الآيات فيها كثيرة كثيرة كثيرة،. وفي الحقيقة، هذا [الإيمان] من أكثر الأشياء التي تُركت وهُجرت، فصار المسلمون يقدمون المنطق على ما أنزله الله [فردوا ضرب المرأة الناشز]، ويقدمون الواقع والطب على ما أنزله [فقالوا يوجد عدوى قاتلة تفتك بالناس، والأخبار تضج بالوفيات]، ويقدمون العلوم الدنيوية والتجارب والبحوث العلمية وعلوم الفضاء على ما أنزله الله [فقالوا أن الأرض كوكب كروي، يدور في فضاء وليس في الفضاء ماء والشمس كبيرة، وليس للسماء أبواب ولا للأرض أقطار]،.

وغيرها من الترهات التي نسمعها كل فترة،. [ليست كلها من الكفار]،.. بعضها من الملاحدة،. وكثيرٌ منها من العلماء المسلمون،.

فقولهم أنهم يؤمنون بما أنزل الله، *((قولٌ مجرّد من معناه،. مجرد قولٍ خاويٍ ليس فيه أي حقيقة))،.* ولكن لأنهم مسلمون، فيرددون ما يسمعونه من آبائهم، أنهم يؤمنون بما أنزل الله،. ولكن الواقع يقول عكس ذلك،.

الذين لا يقدمون شيئاً على ما أنزله الله، هؤلاء *راسخون في العلم،.* ومن نظر حوله في المسلمين، وجد أن كثيراً من عوام المسلمين : *راسخون في العلم،.* على الفطرة،. يؤمنون أشد الإيمان بقول ربهم،. ولا يحيدون عنه قيد أنملة [وإن لم يفهموا كيفيتها وتفاصيلها]،. ولكنهم يؤمنون بقول ربهم، ويرفعونه فوق كل شيء، ولو خالفهم كل أهل الأرض،. ولو قال كل العلماء بالناسخ والمنسوخ في القُــرآن،. لا يؤمنون بهذا، بل يؤمنون بقول ربهم الفصل،. الذي لا يبدل كلماته، الذي أنزل الكتاب على عبده ولم يجعل له عوجاً،. *هؤلاء هو الراسخون في العلم،.* هم الذين يقولون ءَامَنَّا بِهِ كُلࣱّ مِّنۡ عِندِ رَبِّنَا،. هم الذين قالوا،. رَبَّنَاۤ ءَامَنَّا بِمَاۤ أَنزَلۡتَ وَٱتَّبَعۡنَا ٱلرَّسُولَ فَٱكۡتُبۡنَا مَعَ ٱلشَّاهِدِینَ،.

قالَ اْللّٰه عن هذا الإيمان أنه صبغة الله،. *﴿((قُولُوۤا۟ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَاۤ أُنزِلَ إِلَیۡنَا وَمَاۤ أُنزِلَ إِلَىٰۤ إِبۡرَاهِيمَ وَإِسۡمَاعِیلَ وَإِسۡحَاقَ وَیَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطِ وَمَاۤ أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِیسَىٰ وَمَاۤ أُوتِيَ ٱلنَّبِیُّونَ مِن رَّبِّهِمۡ))* لَا نُفَرِّقُ بَیۡنَ أَحَدࣲ مِّنۡهُمۡ وَنَحۡنُ لَهُ مُسۡلِمُونَ ۝ *((فَإِنۡ ءَامَنُوا۟ بِمِثۡلِ مَاۤ ءَامَنتُم بِهِ فَقَدِ ٱهۡتَدَوا۟))* وَّإِن تَوَلَّوۡا۟ فَإِنَّمَا هُمۡ فِي شِقَاقࣲ فَسَیَكۡفِیكَهُمُ ٱللَّهُ وَهُوَ ٱلسَّمِیعُ ٱلۡعَلِیمُ ۝ *((صِبۡغَةَ ٱللَّهِ وَمَنۡ أَحۡسَنُ مِنَ ٱللَّهِ صِبۡغَةࣰ))* وَنَحۡنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ [البقرة 136 – 138]،.

الإيمان يسبق العلم،. فلا يمكن أن تكون عالما وأنت لم تؤمن بما أنزله الله،. فأول خطوة نحو العلم هي الإيمان بما أنزل الله،. فإن لم تؤمن، فلن تصبح من الراسخين في العلم،. الإيمان قبل التعلم،.

ــــ ختاماً، قد يسمع المسلم العامي الذي على (الصبغة) بهذه الكلمة [الراسخون في العلم!!]،. فيهابها ويكبرها، ويظنها منزلةً عظيمة، لا يبلغها إلا الأكابر والكبراء وهي ليست لهم في شيءٍ، إنما هي له هو، لا يدري أنه من الراسخون في العلم،.

سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ،. رَبَنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا،.. ﴿ذَٰلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾،.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق