الثلاثاء، 13 سبتمبر 2022

مقالة الزمن

الزمن،.

الزمن أو الوقت،….

الْحَمْد لِلّٰه الذي هدانا لنتدبر في خلق السماوات والأرض، ونعرف كيف أتقن كل شيء خلقه، وأبدع في صنعه،. كل هذا بدأ بعدما علمنا أن أرضه سطحت وأنها ليست كوكباً في فضاء فارغٍ كما كنا نظن،.

هذا العلم دفع بالمؤمنين بالأرض المسطحة للتفكر أعمق في خلق الله،. وتعظيمه كلما رأى واكتشف عظمة خلقه،. ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر 57]،.

من الأمور التي شدتني للتفكر فيها هو الزمان أو الوقت،. وماهيته،. كيف هو؟ وكيف يحدث؟ وكيف خلقه الله وجعله مؤقِّتاً لحياتنا؟،. فمنه نعرف أيامنا وأشهرنا، ونحسب أعمارنا ونؤرّخ تاريخنا،. منه نعرف أوقات عباداتنا من صلاةٍ وصيامٍ وحجٍ وغيرها،. فكيف خلق الله الوقت؟!

الوقت ليس مادة ملموسةً، إنما هو تحصيلٌ ونتيجةٌ من عَمَل الشمس والقمر،. يجريان بلا توقف، لا يثبُتان أبداً ولا يتباطئان،. ولا يتراجعان، فلا عودة للزمان، ولا عبور للماضي ولا حتى في المستقبل كما ادعى ذلك أحد الأغبياء المشهورين حين ربط الوقت بسرعة الضوء، ثم قال لو سرعنا أسرع من الضوء لشاهدنا القرون التي خلت قبلنا،. ثم جعل الوقت بُعداً رابعاً وسماه الزمكان، وصدق الأغبياء ترهات هذا المجنون التافه،.

ــــــ سخر اللّٰه لنا الشمس والقمر لأسبابٍ كثيرة ذكرها في كتابه،. أهمها لنعلم عدد السنين والحساب، أي حساب السنوات، وهذا هو الوقت،. فقال عن القمر،. ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ ((لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ)) مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَٰلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [يونس 5]،. وقال عن الشمس،. ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً ((لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ)) وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾ [اﻹسراء 12]،.

فجعلهما لنا للحساب،. قالَ اْللّٰه،. ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا ((وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا)) ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [اﻷنعام 96]،. وقال،. ﴿ٱلشَّمۡسُ وَٱلۡقَمَرُ بِحُسۡبَانࣲ﴾ [الرحمن 5]،.

فلا سبيل لمعرفة حساب اليوم إلا عن طريق الشمس،. اليوم مكوّن من ليل ونهار،. تغرب الشمس وتطلع،. وتغرب وتطلع،. فمنه نعرف الــ (أمس) وقبله،. (والغد) وبعد غدٍ بفعل هذه الشمس، من طلوعها وغروبها،. ننتظر شروقها لنصبح صباح اليوم التالي،. بعد (شروق الشمس)،. ولكن،…..

ماذا لو لم يكن ثمة شمس؟! كيف سنعرف الغد من الأمس؟! وكيف نميز هذا [البعد] وهذا [القبل]؟! تخيّلها،.

في الحقيقة، لن تعرف،. ولن تميّز الوقت إلا بالشمس،. وقد علمنا علم اليقين بأن الشمس صغيرةٌ تدور في فلكٍ لها فوق الأرض الواسعة،. لا يهمنا الآن كم هو مقدار علوها فوقنا، ولكن كلامنا عن شغل ووظيفة الشمس،. تخيّل نفسك قد ذهبت لما وراء الشمس،. لو طرت وارتفعت فوق الشمس،. والشمس هي آية الوقت والزمن،. فما الذي سيحدث؟ لن يكون هناك شيءٌ اسمه (وقتٌ) أو (زمن) البتة،. فالزمن يَتحصّل ويُعلم بالشمس (أياماً وفصول) والقمر (أشهراً وسنين)،.

ــــ حين يسخّر الله للبشر خلقاً من خلقه،. يكلّف هذا الخلق بمهمةٍ ووظيفةٍ ما، أو عدة وظائف يقوم بها لأجل البشر،. ولا يخلق الله خلقاً عبثاً، فالشمس والقمر خُلِقا للحساب والدفئ والنور والضياء، وكلّ خلقٍ خلقه الله له مهام وواجبات،. فالأنعام خلقها لأمور ذكرها في القُــرآن، وكذلك الريح والسحاب، وكذلك الفُلك، وكذلك الجبال والماء والكواكب والنجوم والشهب،. كلٌ خُلقَ لحكمةٍ وسبب، سواءً علمنا أو جهلنا ذلك، ولا يخلق الحكيم عبثاً ولعباً، فإن عرفت وظيفة كل مخلوق ستعرف أين مكانه الذي جعله الله فيه ليخدم ويؤدي دوره، ذاك المكان المناسب له، لو تغير مكانه ستتغير المنظومة، وستعجب وقتها وتقول مباشرةً: ماذا يفعل هنا؟! ولماذا وكيف؟! حين تسمع شخصاً يقول أن هناك شمسان! فكيف ينسجم الوقت؟ وكيف يتجانسان معاً ليؤديا ما خلقا لأجله؟!

خلق الله القمر والهلال مواقيتَ للناس،. قالَ اْللّٰه،. ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ..﴾ [البقرة 189]،. فالقمر للناس على الأرض، فماذا تفعل أقمار المشتري وزحل والزهرة هناك؟ هذا أقرب للعبث، وليس في خلق الله عبث،.

الشمس منها الدفئ والضياء، والنهار معيشةً ليبتغي الناس من فضل الله،. والليل سكونٌ للناس،. فماذا تفعل شموس المجموعات الاخرى وليس فيها ناس أصلاً؟! ولماذا يحتاج ذاك الكوكب للّيل والنهار؟! أليس في اختلاف الليل والنهار آياتٍ لأولي الألباب؟! هل نجد أولي الألباب في المريخ والزهرة؟ هم على الأرض حصراً، هذا المكان الوحيد المهيأ للعيش، فالأرض يلزمها أن تكون فيها تلك الآيات! ولا يلزم المريخ والمشتري ليلٌ ولا نهار،. الليل والنهار فقط للأرض، ولكن أصحاب المجموعة الشمسية،. عندهم في كل كوكب ليلٌ ونهار، وعندهم أيامٌ لكل كوكب، بفعل دورانها حول الشمس، حالها حال الأرض،. والمضحك أنهم يقيسون الدورة الواحد لكل كوكب بأيام الأرض، فمثلا عطارد يدور في 88 (يوماً أرضياً)! يا للعجب، لماذا يوماً أرضياً؟! اجعلوها أياماً عطاردية!،.

قال الله،. ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر 1]،. ربط الساعة بالقمر،. وكأنه يقول أن هذه آلة الزمن لكم، خلقتها لتعلموا المواقيت، والآن قد انشقت، علامةً على تعطّلها وانتهاء شغلها، أي: لا وقت لكم لتعبثوا، الوقت ينفذ، اقتربت ساعتكم،. ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾،. فالقمر آلة التي تدل على الزمن،. كذلك الشمس،.

الزمان خلق عظيم من خلق الله،. جعله الله ليحكم أعمارنا ويحددها،. فالأوقات تسري علينا نحن ولا تسري على من خَلَقها،. ولا تحكمه،. بل لا يحكمه خلق من خلقه،. ولا يجري عليه الدهر،. فالله هو الدهر،. فقد ﴿ﻗﺎﻝ اﻟﻠﻪ ﻳﺆﺫﻳﻨﻲ اﺑﻦ ﺁﺩﻡ، ﻳﺴﺐ اﻟﺪﻫﺮ، ((ﻭﺃﻧﺎ اﻟﺪﻫﺮ، ﺃﻗﻠّﺐ اﻟﻠﻴﻞ ﻭاﻟﻨﻬﺎﺭ))﴾ ﺃﺧﺮﺟﻪ اﻟﺤﻤﻴﺪﻱ، ﻭﺃﺣﻤﺪ، ﻭاﻟﺒﺨﺎﺭﻱ، ﻭﻣﺴﻠﻢ، ﻭﺃﺑﻮ ﺩاﻭﺩ.

اللّٰه خلقنا،. استوى على العرش،. وعرشه وسع السماوات والأرض،. بما فيها من شمس وقمر،. فهو فوق كل شيء،. فوق الشمس والقمر،. فلا يجري على الله الوقت والزمن،. ولا يجري عليه الدهر،. كيف يحري عليه الدهر وهو الدهر؟ كما قال هذا النّبي ﷺ،.

قالَ اْللّٰه،. ﴿((يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ)) إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [النور 44]،. يقلبهما الله علينا نحن، وليس عليه هو، نحن يجري علينا الوقت بفعل الشمس والقمر؛ أما اللّٰه،. فليس عليه شمسٌ ولا قمر،. نحن عندنا أمس وغد وحاضر وماضي ومستقبل؛. أما اللّٰه فليس عنده أمس وغد!،. وليس عليه ليلٌ ولا نهار،.. هو يقلّب الليل والنهار،.. هو الدهر!،.

نحن نرى التاريخ ماضٍ قديم،. وعندنا الحاضر والمستقبَل،. أما اللّٰه فلا يجري عليه تاريخ،. يرىٰ مستقبلنا كما يرىٰ حاضرنا وماضينا، كله عنده سواء،. يرىٰ أول خلقه الآن،. ويرى يوم القيامة الآن،. ويعلم بل ويرى الآن منزل كل واحدٍ منا في الجنة (إن كتبها لنا بإذنه)، اللّٰه يرى الآن قوم نوح،. وفرعون ويأجوج ومأجوج، ويرى الحشر والساعة،. ويرى كل المؤمنين في جناتهم والكفار في نارهم،. كله عنده سواء،. لماذا؟ لأنه الأول والآخر،. ولا يحكمه وقتٌ، فلا فرق عنده بين قبلٍ وبعد،. فلا يجري عليه الدهر والزمن،. إنما يجري علينا نحن،. ولن يتوقف الوقت علينا طالما هناك شمس تدور في فلكها،.

الزمن خلقٌ من خلقه،. يحكمنا ولا يحكمه،. هذا أمر يصعُب تخيّله عندنا نحن البشر، نحن خلقنا من عَجَل، نستعجل ونحب العاجلة، نستبق ونتسابق، نكره الصبر والانتظار، وفي نفس الوقت نعظم الوقت، حتى قلنا “الوقت من ذهب”، وقلنا “الوقت كالسيف، إن لم تقطعه قطعك”، ونحرص ألا يظهر علينا علامات طول العمر، لأجل هذا الذي جُبِلنا عليه، يصعب علينا تخيل الحياة بلا وقت،.

ولهذا تجد من تعدى وذهب لمكان ليس فيه شمس ولا قمر،. (المكان الذي لا وقت ولا عمر)،. فبالتالي سيحيى حياةً أبديةً لا يعرف الموت فيها، ولا يهرم ولا يشيب، بل يبقى على حاله كما هو من ساعته الأولى، وهكذا الناس في الجنة والنار،. هكذا الآخرة ممتلئة بالحياة، فقد قال الله عنها “لهي الحيوان”،. أي الممتلئة بالحياة،.

حين أمر اللّٰه النّبي ﷺ أمراً،. قال له،. ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ ۝ وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ ((أَوَّلَ)) الْمُسْلِمِينَ﴾ [الزمر 11 ـ 12]،. فاختلط الأمر علينا،. فقلنا؛ هو أول المسلمين أم آدم أولهم؟؟!

عند قوانين الذين تحت الشمس : آدم أولهم،. ولكن عند اللّٰه، الوقت والتاريخ لا معنى له،. لا يجري عليه، ولا تجري عليه قوانين الفيزياء والقوانين الفلكية،. فالحق هو ما عند اللّٰه،. قال أن النّبي ﷺ أول،. فهو أولهم،. وقبل آدم كذلك،. قالَ اْللّٰه،. ﴿لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا ((أَوَّلُ)) الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام 163]،.

فعند اللّٰه،. كلنا سواء،. من آدم إلى آخر شخص في الدنيا،. اللّٰه ربنا، لا تحكمه قوانين الوقت! هو الذي خلق الوقت! فلا يحكمه مخلوق من مخلوقاته،.

ألا ترى النّبي ﷺ حين خرج خارج دائرة الشمس والقمر (أي الوقت)،. لم يجر عليه الزمن؟؟ رجع من سدرة المنتهى وفراشه دافئ،. كأنه قام عنه لتوه!! فبمجرد خروجك فوق الشمس،. تخرج من دائرة الوقت، فلا يسري عليك وقتٌ،.. وليس هناك أمسٌ ولا غدٍ! كله سواء،..

ليس فقط فوق الأرض، بل حتى لو نزلت تحت الأرض،.. (القبر) كذلك ليس عليك وقت،.. فليس في القبر شمسٌ ولا قمر! ولهذا السبب،.. حيث يَبعث اللّـه الناس،.. لا يدرون كم لبثوا في قبورهم وهم أموات! قالَ اْللّٰه،. ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا ۝ يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا ۝ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ ((إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا))﴾ [طه 102 ـ 104]،. وقال،. ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ ((وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا))﴾ [اﻹسراء 52]،. وقال،. ﴿((وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ)) كَذَٰلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ [الروم 55]،. وقال،. ﴿((وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ)) يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [يونس 45]،. وقال،. ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ ((كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ)) بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [اﻷحقاف 35]،. وقال،. ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا ۝ فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاها ۝ إِلَىٰ رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا ۝ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا ۝ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا ((لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا))﴾ [النازعات 42 ــ 46]،.

كذلك مثله النوم،.. فالنوم أخو الموت،.. هكذا نقول حين نستيقظ،.. عن أبي ذر الغفاري، والبراء بن عازب، وحذيفة بن اليمان،. ﴿أنَّ النبيَّ ﷺ كان إذا أخذ مضجعَه، قال “اللهمَّ! باسمِك أحيا وباسمك ((أموتُ))” وإذا استيقظ قال: الحمد لله الذي أحيانا بعدما ((أماتنا))، وإليه النشورُ﴾ أخرجه البخاري ومسلم وغيرهم،.

وكلاهما (النائم والميت) لا يسري عليهم الشمس والقمر، (اللذان جعلهما اللّٰه للتوقيت)!،. وهذا ما حصل لأصحاب الكهف! قالَ اْللّـه ﴿وَكَذَٰلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ ((قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ)) قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَٰذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَىٰ طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف 19]،.

وحين قال الله،. ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران 33]،. فكيف يقول أنه اصطفاه وليس هناك أحد غيره؟! هذه من شُبَه الملاحدة،. يقولون أننا جئنا (بعد) آدم،. (وحينها) كان آدم وحده! فمِمّن اصطفاه اللّٰه؟ أليس من المفترض أن يجمعهم كلهم ثم يختار ويصطفي منهم؟! الجواب،. حين تعلم أن الله لا يحكمه وقت،. تعرف أن اللّٰه لا ينتظر حتى نحيى لنكون بين يديه، فكلنا كنا عنده، من آدم إلى آخر شخص في الدنيا،.. هكذا اصطفى اللهُ آدمَ منا،.

ــــــــــــ لا تستغرب حين تسمع بعض الأحاديث التي تتكلم عن يوم القيامة بصيغة الماضي، وليس بصيغة المستقبل،. هذه تدل على أن يوم القيامة عند اللّه قد حصل وانتهى، والناس قد دخلوا الجنة والنار، ولكن الله جعل كل هذا غيباً علينا فلا نشعر به،.

﴿مرَّ رجلٌ بغُصنِ شجرةٍ على ظَهْرِ طريقٍ، فقالَ: واللَّهِ لأُنَحِّينَّ هذا عنِ المسلِمينَ؛ لا يؤذيهم؛ فـ((ـأُدْخِلَ الجنَّةَ))﴾ صحيح مسلم – 1914.

﴿أن رجلًا رأَى كلبًا يأكُلُ الثرَى من العطشِ، فأخَذ الرجلُ خُفَّه، فجعَل يَغرِفُ له به حتى أرواه، فشكَر اللهُ له ((فأدخَله الجنةَ))﴾ صحيح البخاري – 173.

كيف دخل الجنة ولم يأت يوم القيامة بعد؟،.

﴿عُذِّبَتِ امرأةٌ في هِرَّةٍ سجَنَتْها [في رواية: ربطتها]¹ حتَّى ماتت، فـ((ـدخَلَتْ فيها النَّارَ))، لا هي أطعَمَتْها ولا سَقَتْها إذ حبَسَتْها، ولا هي ترَكَتْها تأكُلُ مِن خَشَاشِ الأرضِ﴾ البخاري – 3482 ــ [3318]¹ / مسلم – 2242.

دَخَلَت أم ستدخُل؟!،. واضح أن الموضوع انتهى!،.

قالَ نَبِيّ اْللّه ﷺ ﴿((حوسِبَ رجلٌ ممن كان قَبلَكُم)) فلم يوجَدْ له منَ الخيرِ شيءٌ، إلا أنَّه كان يُخالِطُ الناسَ، وكان موسِرًا، فكان يَأمُرُ غِلمانَه أنْ يَتَجاوَزوا عنِ المُعسِرِ، قال: قال اللهُ: نحن أحَقُّ بذلك منه، تَجاوَزوا عنه﴾ صحيح مسلم – 1561.

حوسبَ أم سيُحاسبُ!؟ بل حوسب، في الماضي،.. واضح أنه انتهى،.

أما بالنسبة لنا نحن، نحن ننتظر الموت والقبر والآخرة، لكن عند الله هذا كله حَصَل وقد حاسبنا اللّه وذهب كل منا لمكانه،.

قالَ نَبِيّ اْللّه ﷺ،. ﴿يخلُصُ المؤمنون من النَّارِ، فيُحبَسون على قنطرةٍ بين الجنَّةِ والنَّارِ، فيقتصُّ لبعضِهم من بعضٍ مظالمَ كانت بينهم في الدُّنيا، حتَّى إذا هُذِّبوا ونُقُّوا أُذِن لهم في دخولِ الجنَّةِ، ((فوالَّذي نفسُ محمَّدٍ بيدِه، لأحدُهم أهدَى بمنزلِه في الجنَّةِ منه بمنزلِه كان في الدُّنيا))﴾ صحيح البخاري – 6535.

هذه ماذا تفهم منها؟ ﴿..فوالَّذي نفسُ محمَّدٍ بيدِه، لأحدُهم أهدَى بمنزلِه في الجنَّةِ منه بمنزلِه كان في الدُّنيا﴾؟ كيف حصل هذا ونحن لم ندخل الجنة من قبل؟

هذا يعني أن المسلم الذي كتب اللّٰه له الجنة،. هو الآن ينتظر الآخرة حتى يدخل الجنة،. لكنه عند اللّه هو الآن في الجنة already فإذا دخلها يذهب لمنزله ويخرج ويعرف منزله أحسن من منزله الذي في الدنيا،.. ولكننا لأننا في الدنيا محكومين بالوقت، لا نشعر بهذا،. إذا دخلنا الجنة (خرجنا من قوانين الوقت ــ الشمس والقمر ــ) فيكون الواحد منا أهدَى بمنزلِه في الجنَّةِ منه بمنزلِه الذي كان في الدُّنيا،.. لأننا أصلاً عند اللّـه (كنا) فيها ونحن في الدنيا،.. ولكن لا نشعر بها الآن،.. يعني (لو كتب اللّٰه لنا الجنة) نحن عند الله الآنَ فيها!.

الآن ستفهم أموراً كثيرة،. ستفهم كيف رَأَىٰ النّبي ﷺ عمر في الجنة واقعاً وليس حلماً في رحلة المعراج، وستفهم لماذا في الجنة حياةٌ أبدية وكأن ليس فيها توقيت! وستفهم كيف رفع اللّٰه ابن مريم وسينزله وهو شابٌ لم يهرم!،. وستفهم كيف استطاع سليمان الاتيان بالعرش،. وغيرها من الأمور الكثيرة في الملكوت،. فقط ضع في ذهنك أن التوقيت بسبب الشمس، وهو لك وعليك،. وليس علىٰ اللّٰه الذي خلق الوقت،.

رأى النّبي ﷺ في رحلة العروج كثيراً من الأنبياء، ومر على كل السماوات، ورأى الملائكة ووصل حتى سدرة المنتهى ثم أمر بالصلاة فعاد فلقي موسى وقال له ارجع لربك وسله التخفيف في قصة معلومة، يفترض أن يقضي فيها ساعات وساعات إن لم تكن عدة أيام بحسبتنا، ولكن هل عاد النّبي ﷺ بعد أيام؟! هل عاد في الصباح متأخراً؟! بل عاد في نفس الليلة، حتى أن فراشه لم يبرد! بقي دافئا! مما يدل أن وقته بالنسبة له توقف وتعطل، لأن هناك في الأعلى، لا وجود للشمس والقمر،.

أما الآية التي تقول بأن يوماً عند الله كألف سنة عندنا،. قالَ اْللّٰه،. ﴿وَیَسۡتَعۡجِلُونَكَ بِٱلۡعَذَابِ وَلَن یُخۡلِفَ ٱللَّه وَعۡدَهُ ((وَإِنَّ یَوۡمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلۡفِ سَنَةࣲ)) مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج 47]،. هذه الآية فيها تشبيه بالمستحيل وبما لا يقدر الانسان تصوره،. ولا تعني بأي حال أن الله تحكمه أيام وسنوات، إنما الوقت عند الله معدوم، ولأجل أن الانسان لا يستطيع تخيل ذلك، شبه الله وقته بوقت الانسان بمبالغة شديدة لا تُدرك ولا يستطيع أن يستوعبها أحد،. فقال أنها “كــ” كذا، أي كمثل كذا، أو كأنها كذا وكذا،. وهذا تشبيه بليغ، ولا يعني أنه حقيقة،. فمن يقدر أن يعد ألف سنة، ثم يعتبرها يوماً واحداً؟! هذا على الانسان محال،. فالآية تتكلم عن فرق الزمن بيننا وبين الله،. نحن محكومين بالزمن والعمر، ولكن الله لا يعنيه زمن ولا وقت، ولا يحكمه شيء،. ولكن إن أردت أن تتصور ما عند الله، فاعلم أن اليوم الواحد عند الله وهي فترة قصيرة، تشبه في عدادنا نحن ألف سنة،. كأنها ألف سنة،. فالكلام عن تغاير واختلاف الزمن والتوقيت بيننا وبين الله،.

فالآية تقدير وتشبيه لشيء يصعب التفكير فيه،. شيء لا يقدر الخيال البشري على استيعابه،. هي مثل الآية،. ﴿تَعۡرُجُ ٱلۡمَلَائكَةُ وَٱلرُّوحُ إِلَیۡهِ ((فِي یَوۡمࣲ كَانَ مِقۡدَارُهُ خَمۡسِینَ أَلۡفَ سَنَةࣲ))﴾ [المعارج 4]،. فهل فعلاً تأخذ الملائكة كل هذا الوقت أم أنها بمجرد خروجها من دائرة وسلطة الشمس ينعدم لديها الوقت؟! فتتساوى حينها الدقيقة والألف سنة،. ولا تتفاضل بوقت أو مدة، والسبب أنه لا يوجد وقت خارج إطار الشمس،. فلو كنت كذلك وقلت دقيقة أو مليون سنة، فلا فرق، لأنك لا تستطيع تحديد فترة زمنية بلا آلة الشمس والذي تُحدثه من توقيت،.

فاعلم أن (الوقت) علينا،.. وليس على اللّٰه،. عند اللّٰه القَبلُ والبَعدُ سواء،. واعلم أنه لا فضاء في خلق الله،. ولو كان ثمة فضاء بيننا وبين الشمس، فالوقت سيجري فيه لزاماً ولن يخرج أحد الرواد خارج الزمن حتى يموت، أو تموت الشمس وينتهي الوقت،. وتقوم الساعة،. فمن آيات القيامة أن تتكور الشمس، أي تختفي،. فإن هي اختفت فقد اختفى التاريخ والزمن والوقت،. حينها تنتهي الدنيا وتقام الساعة،.

وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينْ،. رَبَنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا،.. ﴿ذَٰلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق